أسئلة النجوم
كم تبعد النجوم عنا؟ وكيف نقيس المسافة إليها؟
الجواب باختصار
النجوم التي تراها بعينك تبعد من 4.37 سنة ضوئية، كرجل قنطورس، إلى أكثر من ألف سنة ضوئية، كذنب الدجاجة. نقيس بعد النجوم القريبة بطريقة هندسية اسمها اختلاف المنظر، وقد قاس بها القمر الصناعي غايا أبعاد أكثر من مليار نجم. أما المسافات الأبعد فنقيسها بنجوم نعرف لمعانها الحقيقي، تسمى الشموع المعيارية.
من بضع سنين ضوئية إلى آلاف
النجوم بعيدة جداً حتى إن الفلكيين لا يقيسون بعدها بالكيلومتر، بل بـالسنة الضوئية، وهي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة، نحو 9.46 تريليون كيلومتر. تجد في الجدول أبعاد بعض أشهر النجوم في سمائنا، مرتبة من الأقرب إلى الأبعد:
| النجم | البعد (سنة ضوئية) |
|---|---|
| رجل قنطورس (Alpha Centauri) | 4.37 |
| الشعرى اليمانية (Sirius) | 8.6 |
| الشعرى الشامية (Procyon) | 11.5 |
| النسر الطائر (Altair) | 16.7 |
| النسر الواقع (Vega) | 25 |
| السماك الرامح (Arcturus) | 36.7 |
| العيوق (Capella) | 42.9 |
| الدبران (Aldebaran) | 65 |
| سهيل (Canopus) | نحو 310 |
| الجدي، النجم القطبي (Polaris) | نحو 430 |
| منكب الجوزاء (Betelgeuse) | بين 500 و700 |
| رجل الجبار (Rigel) | نحو 860 |
| ذنب الدجاجة (Deneb) | بين 1,400 و2,600 |
لاحظ أمرين. الأول أن اللمعان لا يدل على القرب: فسهيل ثاني ألمع نجوم الليل، لكنه أبعد من الشعرى بأكثر من ثلاثين مرة، لأنه أشد ضياءً منها في الحقيقة بكثير. الثاني أن الأرقام تصير أقل دقة كلما بعد النجم، فنكتب لبعضها «نحو» أو نذكر مدى كاملاً، والسبب في طريقة القياس نفسها.
الطريقة الأولى: اختلاف المنظر
جرّب هذا: ارفع إصبعك أمام وجهك، ثم أغمض عينك اليمنى وافتحها، وأغمض اليسرى، فستجد أن إصبعك يقفز قليلاً أمام الأشياء البعيدة خلفه، فإذا قرّبت إصبعك من وجهك صارت القفزة أكبر، وإذا أبعدته صارت أصغر.
هذه هي فكرة اختلاف المنظر (parallax)، لكن بدل العينين نستعمل الأرض نفسها، فالأرض تدور حول الشمس، فتكون في يناير على جانب من مدارها، وفي يوليو على الجانب المقابل، على بعد نحو 300 مليون كيلومتر. فإذا رصدنا نجماً قريباً في الموعدين، رأيناه قد تحرك قليلاً أمام النجوم البعيدة جداً خلفه، ومن مقدار هذه الحركة نحسب بعده بالهندسة وحدها، دون أي افتراض عن طبيعة النجم.
لكن هذه الحركة صغيرة إلى حد يصعب تصديقه، فهي تقاس بـ«الثانية القوسية»، وهي جزء من 3,600 جزء من الدرجة، وحتى أقرب النجوم يتحرك أقل من ثانية قوسية واحدة. لذلك لم ينجح أحد في قياسها إلا سنة 1838، حين قاس الفلكي الألماني فريدريش بسل (Friedrich Bessel) اختلاف منظر النجم 61 الدجاجة، وهو نجم خافت في كوكبة الدجاجة يبعد نحو 11.4 سنة ضوئية.
من هذه الطريقة جاءت وحدة الفرسخ الفلكي، وهي البعد الذي يتحرك عنده النجم ثانية قوسية واحدة، أي نحو 3.26 سنة ضوئية.
غايا: أدق مسطرة صنعها الإنسان
الغلاف الجوي للأرض يهز صور النجوم، فيحدّ من دقة القياس من الأرض، لذلك أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية القمر الصناعي غايا (Gaia)، فمسح السماء كلها مرة بعد مرة طوال عشر سنوات ونصف، حتى أنهى أرصاده العلمية في 15 يناير 2025.
دقة غايا مذهلة، فقد قاس مواقع نجوم أخفت من أخفت ما تراه العين بأربعة آلاف مرة، بدقة تعادل قياس سُمك شعرة إنسان من مسافة ألف كيلومتر. في إصداره الثالث للبيانات، في يونيو 2022، نشر اختلاف المنظر لنحو 1.46 مليار نجم وجرم.
لنرَ الفرق في مثال 61 الدجاجة نفسه: قاس بسل اختلاف منظره أول مرة بنحو 0.31 ثانية قوسية. أما غايا فقاسه بنحو 0.286 ثانية قوسية، بخطأ لا يتجاوز بضعة أجزاء من مئة ألف من الثانية القوسية.
مع ذلك تبقى الطريقة محدودة، فكلما بعد النجم صغرت حركته، حتى تقترب من حدود دقة الجهاز، فيكبر هامش الخطأ، لهذا نجد مدى واسعاً لبعد ذنب الدجاجة.
الطريقة الثانية: الشموع المعيارية
تخيّل أنك ترى مصباحاً في الليل، وتعرف أن قوته 100 واط. إن بدا خافتاً عرفت أنه بعيد، وإن بدا ساطعاً عرفت أنه قريب، ومن مقدار خفوته تحسب بعده. هذه فكرة الشمعة المعيارية: جرم نعرف لمعانه الحقيقي، فنقارنه بلمعانه الذي نراه، فنعرف بعده.
من أشهر الشموع المعيارية:
- النجوم القيفاوية (Cepheids): نجوم متغيرة تنتفخ وتنكمش، فيخفت ضوؤها ويشتد بانتظام. المهم أن مدة نبضها مرتبطة بلمعانها الحقيقي: فكلما طالت المدة كان النجم أشد ضياءً، فإذا قسنا المدة عرفنا اللمعان الحقيقي، ومنه البعد، وبها نقيس أبعاد المجرات القريبة.
- المستعرات العظمى من النوع Ia: انفجارات نجمية لها لمعان حقيقي متقارب، وهي ساطعة جداً حتى تُرى في مجرات بعيدة جداً.
سلّم المسافات الكونية
هذه الطرق تتعاون كدرجات سلّم، فاختلاف المنظر يعطينا أبعاد النجوم القيفاوية القريبة في مجرتنا، فنعرف لمعانها الحقيقي بدقة. ثم نبحث عن نجوم قيفاوية في مجرات قريبة فيها أيضاً مستعرات عظمى، فنعرف لمعان هذه المستعرات، ثم نستعمل المستعرات لقياس أبعاد مجرات أبعد بكثير. بهذه الطريقة قاس فريق تلسكوب هابل الفضائي أبعاد نحو 300 مستعر أعظم في مجرات بعيدة. كل درجة تعتمد على التي تحتها، لذلك كان قياس غايا الدقيق أساساً لكل ما فوقه.
ماذا ترى الليلة؟
في أمسيات الخريف من البلاد العربية، انظر إلى النسر الواقع اللامع في الغرب، ثم إلى ذنب الدجاجة غير بعيد عنه. يبدو النسر الواقع أسطع منه بنحو ثلاث مرات، لكن ضوءه خرج منه قبل 25 سنة، أما ضوء ذنب الدجاجة فخرج منه قبل أكثر من ألف وأربعمئة سنة. فذنب الدجاجة أشد ضياءً من النسر الواقع في الحقيقة بألف مرة على الأقل، وإلا لما رأيناه بهذا اللمعان من هذا البعد.
أسئلة قريبة
هل يمكن قياس بعد النجم بالرادار أو الليزر؟
لا، فالرادار والليزر ينفعان داخل المجموعة الشمسية، للقمر والكواكب والكويكبات. أما أقرب نجم فإشارة الرادار تحتاج أكثر من ثماني سنوات لتذهب إليه وتعود، وسيكون صداها أضعف من أن يُلتقط.
لماذا تختلف أبعاد بعض النجوم من مرجع إلى آخر؟
لأن اختلاف المنظر يصغر كلما بعد النجم، فيكبر هامش الخطأ، لذلك نذكر لبعض النجوم البعيدة، مثل منكب الجوزاء وذنب الدجاجة، مدى من الأبعاد بدل رقم واحد.
هل النجوم المتجاورة في كوكبة واحدة قريبة من بعضها؟
في الغالب لا، فنجوم الجبار مثلاً تبدو متجاورة، لكن الناجذ يبعد نحو 250 سنة ضوئية، ورجل الجبار نحو 860. هي فقط في الاتجاه نفسه من الأرض.