المجرات والكون

هل السفر عبر الزمن ممكن؟

الجواب باختصار

السفر إلى المستقبل ممكن علمياً بمعنى محدد: فالزمن يمر أبطأ على من يتحرك بسرعة كبيرة أو يقترب من جاذبية شديدة، وقد قاس العلماء هذا الفرق بساعات ذرية دقيقة، لكنه في حياتنا ضئيل جداً. أما الرجوع إلى الماضي فلا دليل على إمكانه، وأغلب الفيزيائيين يرون أن قوانين الطبيعة تمنعه.

الزمن ليس واحداً للجميع

نتعامل في حياتنا مع الزمن كأنه ساعة واحدة تدق بالسرعة نفسها في كل مكان، لكن أينشتاين بين في نظريتيه النسبية الخاصة والنسبية العامة أن هذا غير صحيح، وأن مرور الزمن يتغير بأمرين:

  • السرعة: كلما تحركت أسرع، مرّ زمنك أبطأ مقارنة بمن بقي ساكناً، ويصبح الفرق كبيراً قرب سرعة الضوء.
  • الجاذبية: كلما كنت أقرب إلى كتلة كبيرة، مرّ زمنك أبطأ مقارنة بمن هو أبعد عنها.

هذه ليست فكرة على الورق فقط، ففي سنة 2010 قارن فريق من المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية (NIST) بين ساعتين ذريتين من أدق ساعات العالم، رفعوا إحداهما 33 سنتيمتراً فقط، فدقت أسرع قليلاً من الأخرى كما تتوقع النسبية. ثم حرّكوا الذرة في إحدى الساعتين بسرعة بضعة أمتار في الثانية، فدقت أبطأ من الساكنة. الفرق ضئيل جداً: يقدّره الفريق بنحو 90 جزءاً من مليار جزء من الثانية على مدى عمر إنسان كامل لمن يعيش أعلى من غيره بهذا المقدار.

السفر إلى المستقبل: حقيقة بمقادير صغيرة

بهذا المعنى، كل من يتحرك بسرعة كبيرة يسافر إلى المستقبل قليلاً، فلو انطلقت مركبة بسرعة قريبة جداً من سرعة الضوء ثم عادت، لوجد ركابها أن سنوات كثيرة مرت على الأرض، بينما مرت عليهم سنوات أقل. هذا لا يخالف شيئاً من الفيزياء، لكن المشكلة هندسية: لا نملك أي وسيلة لبلوغ سرعة كهذه، فأسرع مركباتنا لا تبلغ إلا جزءاً صغيراً جداً من سرعة الضوء.

أقوى أمثلته في حياتنا اليومية ساعات أقمار تحديد المواقع (GPS)، فهي تدور على ارتفاع نحو 20 ألف كيلومتر، حيث الجاذبية أضعف فيمر زمنها أسرع، وتتحرك بسرعة كبيرة فيمر زمنها أبطأ، والنتيجة أن ساعاتها لا تتفق مع ساعات الأرض. يبين الفيزيائي نيل آشبي أن هذا الفرق كبير بما يكفي لأن يفشل النظام كله لو لم تصححه الحسابات، فتخطئ الخرائط في هاتفك موقعك.

عند الجاذبية الشديدة جداً، قرب الثقب الأسود، يصبح التباطؤ هائلاً. وهو ما يعرضه فيلم Interstellar في كوكب تمر عليه ساعة بينما تمر على الأرض سبع سنوات، ويبين بحث حديث أن ذلك ممكن في المعادلات بشرط أن يدور الكوكب قريباً جداً من ثقب أسود يدور حول نفسه بسرعة كبيرة.

الرجوع إلى الماضي: سؤال بلا جواب إيجابي

الرجوع إلى الماضي أمر مختلف تماماً، فبعض حلول معادلات النسبية العامة تسمح نظرياً بمسارات في المكان والزمان تعود إلى نقطة بدايتها، أي إلى الماضي، مثل الثقب الدودي إذا أمكن إبقاؤه مفتوحاً وتحريك أحد طرفيه. لكن هذه الحلول كلها تحتاج إلى مادة غريبة ذات طاقة سالبة بكميات لم يثبت وجودها.

ثم إن الرجوع إلى الماضي يثير تناقضات منطقية مشهورة: ماذا لو رجعت ومنعت حدثاً سبب رحلتك نفسها؟ لهذا اقترح ستيفن هوكينغ سنة 1992 ما سماه حماية التسلسل الزمني، ومعناها أن قوانين الفيزياء نفسها، حين تجتمع الجاذبية وفيزياء الكم، تمنع تكوّن مسار يعود إلى الماضي، لأن الطاقة تتضخم بلا حد كلما اقترب المسار من الانغلاق. هذه فرضية لم تُحسم برهاناً كاملاً، لكن لا يوجد حتى اليوم أي دليل على إمكان الرجوع في الزمن.

الخلاصة

نوع السفر الحكم العلمي
إلى المستقبل بمقادير صغيرة حقيقة مقيسة كل يوم
إلى المستقبل بمقادير كبيرة ممكن نظرياً، ومستحيل عملياً اليوم
إلى الماضي لا دليل عليه، وأغلب الفيزيائيين يرون أنه ممنوع

السماء نفسها نافذة على الماضي

هناك نوع من «السفر في الزمن» تمارسه كل ليلة: النظر إلى السماء. فضوء النجوم يحتاج سنوات طويلة ليصل إلينا، فأنت ترى الشعرى اليمانية كما كانت قبل 8.6 سنة، ومجرة المرأة المسلسلة كما كانت قبل نحو 2.5 مليون سنة، كما يشرح سؤال هل النجوم التي نراها ماتت منذ زمن؟

أسئلة قريبة

هل يشيخ رواد الفضاء أبطأ منا؟

نعم، لكن بفرق ضئيل جداً، فسرعتهم الكبيرة في المدار تبطئ زمنهم، وضعف الجاذبية عندهم يسرّعه قليلاً، والنتيجة لمن يعيش أشهراً في محطة الفضاء جزء صغير من الثانية، لا يُحس.

هل يمكن السفر أسرع من الضوء للرجوع في الزمن؟

لا، فسرعة الضوء في الفراغ حد أعلى لا يبلغه أي جسم له كتلة، لأن الطاقة اللازمة لتسريعه تزداد بلا حدود كلما اقترب منها.

لماذا لا نرى مسافرين قادمين من المستقبل؟

استشهد ستيفن هوكينغ بهذه الملاحظة نفسها مازحاً في بحثه عن حماية التسلسل الزمني، وقال إن عدم زيارة سياح من المستقبل دليل تجريبي قوي على فرضيته.

المصادر

  1. NIST: ساعتان ذريتان تكشفان النسبية على مقياس الإنسان (2010)
  2. N. Ashby: النسبية في نظام تحديد المواقع العالمي (Living Reviews in Relativity، 2003)
  3. S. Hawking: فرضية حماية التسلسل الزمني (Physical Review D، 1992)
  4. Dhingra, Dhurandhar, Mitra: الفيزياء في فيلم Interstellar (2026)

كيف نجمع المعلومات ونتحقق منها

إشراف وتحرير: إسلام أحمد