المجرات والكون
ما أقرب مجرة إلى مجرة درب التبانة؟
الجواب باختصار
أقرب مجرة مقترحة إلى مجرتنا هي الكلب الأكبر القزمة، على بعد نحو 23 ألف سنة ضوئية، لكن دراسات كثيرة ترى أنها ليست مجرة بل التواء في قرص مجرتنا. من أقرب المجرات المؤكدة القوس القزمة، على بعد نحو 85 ألف سنة ضوئية. أما أقرب مجرة كبيرة فهي المرأة المسلسلة، على بعد نحو 2.5 مليون سنة ضوئية.

مجرتنا ليست وحدها
مجرة درب التبانة، وهي المجرة التي فيها الشمس، ليست وحيدة في الفضاء، إذ تدور حولها مجرات صغيرة كثيرة نسميها المجرات القزمة، أي المجرات التي فيها نجوم أقل بكثير من مجرتنا. تجذبها جاذبية مجرتنا، فبعضها يتمزق ببطء وتختلط نجومه بنجومنا.
لذلك فالسؤال عن «أقرب مجرة» له جوابان: أقرب مجرة صغيرة، وأقرب مجرة كبيرة. نقيس هذه المسافات بالسنة الضوئية، وهي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة: نحو 9.46 تريليون كيلومتر.
الكلب الأكبر القزمة: الأقرب، إن كانت مجرة
في سنة 2003 أعلن فريق من الفلكيين أنهم وجدوا تجمعاً كبيراً من النجوم الحمراء العملاقة في اتجاه كوكبة الكلب الأكبر، قريباً من مستوى قرص مجرتنا. اعتبروه بقايا مجرة قزمة تتمزق، وسموه مجرة الكلب الأكبر القزمة (Canis Major Dwarf). يقدَّر بعد هذا التجمع عن الشمس بنحو 23 ألف سنة ضوئية (وتذكر بعض المراجع، منها ناسا، نحو 25 ألفاً). فإن كان مجرة حقاً، فهو أقرب مجرة معروفة إلينا.
قد تسأل: كيف تبقى مجرة بهذا القرب مجهولة حتى القرن الحادي والعشرين؟ السبب أننا نراها من خلال قرص مجرتنا نفسه، حيث تزدحم النجوم ويكثر الغبار الذي يحجب الضوء. لم تظهر إلا في مسح للسماء كلها بالأشعة تحت الحمراء، وهي أشعة تخترق الغبار أفضل من الضوء العادي.
لكن هذا الاكتشاف لم يُحسم، ففي سنة 2004 نشر فريق آخر دراسة تقول إن هذا التجمع قد لا يكون مجرة أصلاً، فقرص مجرتنا ليس مسطحاً تماماً، بل ينثني عند أطرافه كقبعة ملتوية. يرى هؤلاء أن هذا الالتواء وحده يكفي لتفسير كثرة النجوم في تلك الناحية، وأن حركة هذه النجوم تشبه حركة نجوم القرص العادية. في سنة 2020 خلصت دراسة أخرى، استخدمت تلسكوباً في تشيلي وبيانات القمر الصناعي غايا (Gaia)، إلى النتيجة نفسها تقريباً: أن هذا التجمع أقرب إلى أن يكون جزءاً من قرص مجرتنا الملتوي منه إلى مجرة مستقلة. فالأدلة تميل اليوم إلى تفسير الالتواء، لكن الأمر لم يُغلق نهائياً.
القوس القزمة: أقرب مجرة قزمة كبيرة مؤكدة
مجرة القوس القزمة (Sagittarius Dwarf) اكتُشفت سنة 1994، وتقع على بعد نحو 85 ألف سنة ضوئية بحسب القياسات الحديثة (وكانت مراجع أقدم تذكر نحو 70 ألفاً)، في اتجاه كوكبة الرامي، أي خلف مركز مجرتنا من جهتنا. جاذبية مجرتنا تمزقها، فتمتد نجومها على شكل شريط طويل يلتف حول مجرتنا. فإذا لم تكن الكلب الأكبر مجرة، كانت القوس القزمة أقرب مجرة قزمة كبيرة إلينا.
لكنها ليست بالضرورة أقرب مجرة على الإطلاق، فمنذ سنة 2005 اكتشف الفلكيون مجرات قزمة خافتة جداً، فيها عدد قليل جداً من النجوم، وبعضها أقرب إلينا قليلاً من القوس القزمة. منها سيغ 1 (Segue 1)، على بعد نحو 75 ألف سنة ضوئية، ويعدّها أغلب الفلكيين مجرة صغيرة جداً تسيطر عليها المادة المظلمة.
السحابتان: مجرتان تراهما العين
السحابة الكبرى والسحابة الصغرى مجرتان قزمتان تابعتان لمجرتنا، ويسميهما الغربيون «سحابتي ماجلان». وقد قيس بعدهما بدقة عالية في السنوات الأخيرة بطريقة تعتمد على أزواج من النجوم يحجب أحدها الآخر، تسمى النجوم الثنائية الكسوفية. فالسحابة الكبرى على بعد نحو 162 ألف سنة ضوئية (قياس 2019، بدقة 1% تقريباً)، والصغرى على بعد نحو 204 آلاف سنة ضوئية (قياس 2020، بدقة 2% تقريباً). هذه هي القيم التي نعتمدها في هذه الموسوعة، وقد تجدها مقرّبة إلى 160 ألفاً و200 ألف.
هما أقرب مجرتين تراهما العين بوضوح، كأنهما قطعتان انفصلتا عن درب التبانة، لكنهما في أقصى جنوب السماء، فلا تظهران إلا من أقصى جنوب البلاد العربية، منخفضتين جداً من اليمن، وأعلى من الصومال وجزر القمر.
المرأة المسلسلة: أقرب مجرة كبيرة
مجرة المرأة المسلسلة (Andromeda) مجرة حلزونية كبيرة تشبه مجرتنا، على بعد نحو 2.5 مليون سنة ضوئية. هي أقرب مجرة كبيرة إلينا، وأبعد شيء تراه العين المجردة بسهولة. هي تقترب منا، وقد تصطدم بمجرتنا بعد مليارات السنين، كما نشرح في هل ستصطدم مجرة المرأة المسلسلة بمجرتنا؟
أبرز المجرات القريبة من الشمس
| المجرة | البعد (سنة ضوئية) | هل تُرى بالعين؟ |
|---|---|---|
| الكلب الأكبر القزمة (مختلف في كونها مجرة) | نحو 23 ألفاً | لا |
| سيغ 1 (مجرة قزمة خافتة جداً) | نحو 75 ألفاً | لا |
| القوس القزمة | نحو 85 ألفاً | لا |
| السحابة الكبرى | نحو 162 ألفاً | نعم، من أقصى جنوب البلاد العربية |
| السحابة الصغرى | نحو 204 آلاف | بالكاد، من أقصى الجنوب |
| المرأة المسلسلة (أقرب مجرة كبيرة) | نحو 2.5 مليون | نعم، من كل البلاد العربية |
الجدول مرتب بحسب البعد، لكنه لا يضم كل المجرات القزمة الخافتة، فبعضها لم تُحسم طبيعته بعد.
لاحظ الفرق الهائل: المرأة المسلسلة أبعد من السحابة الكبرى بنحو 15 مرة. بين هذه وتلك مجرات قزمة أخرى كثيرة خافتة جداً، لا تُرى إلا بالتلسكوبات الكبيرة، وما زال الفلكيون يكتشفون منها الجديد.
ماذا ترى الليلة؟
أسهل مجرة تراها بعينك من أي بلد عربي هي المرأة المسلسلة، وأفضل وقتها أمسيات الخريف وأوائل الشتاء. تراها لطخة بيضاوية باهتة في سماء مظلمة بعيدة عن أضواء المدن. في درس كيف تجد مجرة المرأة المسلسلة بعينك خطوات ذلك من مربع الفرس. تذكّر أن الضوء الذي يصل عينك منها خرج منها قبل نحو مليونين ونصف مليون سنة.
أسئلة قريبة
هل المرأة المسلسلة أقرب مجرة إلينا؟
لا، بل هي أقرب مجرة كبيرة تشبه مجرتنا، لكن حولنا مجرات قزمة صغيرة أقرب منها بكثير، منها السحابتان والقوس القزمة، والخلط بين الأمرين شائع.
هل أرى أقرب مجرة بعيني؟
لا، فمجرتا الكلب الأكبر والقوس القزمتان منتشرتان وخافتتان، وتختلط نجومهما بنجوم مجرتنا. أقرب مجرة تراها العين هي السحابة الكبرى، ولا تظهر إلا من أقصى جنوب البلاد العربية.
لماذا تختلف أرقام المسافات بين المراجع؟
لأن القياس يتحسن مع الزمن، ولأن بعض المراجع تقرّب الأرقام. مثلاً كانت مراجع قديمة تذكر للسحابة الكبرى نحو 179 ألف سنة ضوئية، ثم قيس بعدها سنة 2019 بدقة 1% فصار نحو 162 ألفاً، ويقرّبه بعضهم إلى 160 ألفاً.
كم تحتاج مركبة فضائية للوصول إلى أقرب مجرة كبيرة؟
لو سار مسبار فوياجر 1 بسرعته الحالية، نحو 17 كيلومتراً في الثانية، نحو مجرة المرأة المسلسلة على بعد 2.5 مليون سنة ضوئية، لاحتاج إلى نحو 44 مليار سنة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف عمر الكون. هذا حساب تقريبي يبين حجم المسافة لا رحلة ممكنة.
المصادر
- Carballo-Bello et al. (2020), MNRAS: نظرة جديدة إلى تجمع نجوم الكلب الأكبر ببيانات DECam وGaia (arXiv)
- An, Walker & Pace (2024): مجرة القوس القزمة وعنقود M54 على بعد نحو 26 كيلوفرسخ (arXiv)
- Simon et al. (2011): المجرة القزمة سيغ 1 (Segue 1) (arXiv)
- Pietrzyński et al. (2019), Nature: بعد السحابة الكبرى بدقة 1% (arXiv)
- Graczyk et al. (2020): بعد السحابة الصغرى من النجوم الثنائية الكسوفية (arXiv)