المجرات والكون

ما الثقب الأسود؟ وكيف يتكوّن؟

الجواب باختصار

الثقب الأسود جرم جاذبيته شديدة جداً، فلا يفلت منه شيء يعبر حدّه، حتى الضوء، ويسمى هذا الحد أفق الحدث. يتكوّن أغلب الثقوب الصغيرة حين ينهار قلب نجم ضخم في آخر حياته، وفي مركز مجرتنا ثقب عملاق كتلته نحو 4 ملايين كتلة شمسية، صُوّر سنة 2022.

نفاثة زرقاء تنطلق من قلب المجرة M87 حيث يقع ثقب أسود فائق الضخامة
نفاثة من جسيمات سريعة تنطلق بلون أزرق من قلب المجرة الإهليلجية M87 كما صوّرها تلسكوب هابل، ويغذيها ثقب أسود فائق الضخامة في مركز المجرة، فالثقب نفسه لا يُرى لكن أثره واضح حوله. الصورة: The Hubble Heritage Team (STScI/AURA) and NASA/ESA

ليس ثقباً، بل كتلة هائلة

اسم «الثقب الأسود» قد يوحي بفتحة في الفضاء، لكنه ليس كذلك، بل هو جرم فيه كمية ضخمة من المادة محشورة في حيز صغير جداً. لذلك تكون جاذبيته قرب سطحه شديدة إلى حد أن لا شيء يستطيع الهرب منه، حتى الضوء، ولأنه لا يُخرج ضوءاً، يبدو أسود تماماً.

أفق الحدث: الحد الذي لا رجوع بعده

لكل ثقب أسود حدّ يحيط به يسمى أفق الحدث، وهو المسافة التي تصير عندها السرعة اللازمة للهرب من الجاذبية أكبر من سرعة الضوء، وبما أن لا شيء أسرع من الضوء، فكل ما يعبر هذا الحد لا يعود أبداً.

أفق الحدث ليس سطحاً صلباً مثل سطح الأرض أو الشمس، بل هو حد وهمي في الفضاء، لا تراه ولا تلمسه، لكنه يفصل بين ما يستطيع الهرب وما لا يستطيع، وما يحدث داخله لا نستطيع رصده.

كيف يتكوّن الثقب الأسود؟

أشهر طريق لتكوّن الثقب الأسود هو موت نجم ضخم، فالنجم الذي تزيد كتلته على نحو 20 ضعف كتلة الشمس يحرق وقوده النووي، ثم ينفد هذا الوقود من قلبه. عندها لا يبقى ما يقاوم الجاذبية، فينهار القلب على نفسه، وتنفجر طبقات النجم الخارجية في مستعر أعظم. إن بقي من القلب أكثر من نحو 3 كتل شمسية، فلا توجد قوة معروفة توقف الانهيار، فيصير ثقباً أسود. تجد مراحل حياة النجوم كاملة في سؤال كيف يولد النجم ويموت؟.

أما الثقوب العملاقة في مراكز المجرات، فلا يعرف العلماء بعدُ كيف نشأت بدقة، لكنهم يعرفون أنها موجودة منذ أقدم مراحل عمر المجرات، وأنها تكبر حين تبتلع المادة القريبة منها.

أنواع الثقوب السوداء

يقسم الفلكيون الثقوب السوداء بحسب كتلتها:

النوع الكتلة (بكتلة الشمس) أين يوجد؟ مثال
نجمي من 3 إلى بضع عشرات منتشر في أنحاء مجرتنا Gaia BH1، نحو 10 كتل شمسية
متوسط من 100 إلى أكثر من 10 آلاف نادر، وأمثلته المؤكدة قليلة جداً الثقب الناتج عن اندماج GW190521، نحو 142 كتلة شمسية
فائق الضخامة من 100 ألف إلى مليارات في مراكز أغلب المجرات الكبيرة القوس A*، نحو 4 ملايين

أضخم ثقب أسود رُصد حتى اليوم هو TON 618، وتقدّر ناسا كتلته بنحو 66 مليار كتلة شمسية.

القوس A*: الثقب الأسود في قلب مجرتنا

في مركز درب التبانة ثقب أسود فائق الضخامة اسمه القوس A* (Sagittarius A*)، يقع على بعد نحو 27 ألف سنة ضوئية منا، وكتلته نحو 4 ملايين ضعف كتلة الشمس.

في 12 مايو 2022 نشر فريق تلسكوب أفق الحدث (Event Horizon Telescope) أول صورة له. هذا «التلسكوب» في الحقيقة شبكة من ثمانية مراصد راديوية في أنحاء العالم، تعمل معاً كأنها تلسكوب واحد بحجم الأرض. تُظهر الصورة حلقة مضيئة من الغاز الساخن حول ظل مظلم في الوسط، وحجمها في سمائنا صغير جداً: مثل حجم كعكة دونات موضوعة على سطح القمر. كان الفريق نفسه قد نشر سنة 2019 أول صورة لثقب أسود على الإطلاق، في قلب مجرة بعيدة اسمها M87.

أقرب ثقب أسود نعرفه: Gaia BH1

في نوفمبر 2022 أعلن فلكيون اكتشاف أقرب ثقب أسود معروف إلى الأرض، واسمه Gaia BH1. يقع على بعد نحو 1,560 سنة ضوئية، في كوكبة الحواء، وهو أقرب بثلاث مرات من صاحب الرقم القياسي السابق، وكتلته نحو 10 أضعاف كتلة الشمس.

لم يُرَ هذا الثقب نفسه، بل اكتُشف من حركة نجم شبيه بالشمس يدور حوله كل 186 يوماً تقريباً. فقد رصد القمر الصناعي غايا (Gaia) تمايل هذا النجم، ثم أكدت تلسكوبات أرضية أن رفيقه الخفي أثقل من أن يكون نجماً عادياً.

لماذا لا «يشفط» الثقب الأسود كل شيء؟

من الأخطاء الشائعة أن الثقب الأسود مكنسة كونية تجذب كل ما حولها، لكن الحقيقة أن جاذبيته من بعيد مثل جاذبية أي جرم آخر له الكتلة نفسها، فالخطر لا يبدأ إلا لمن يقترب منه كثيراً.

لو استُبدلت الشمس فجأة بثقب أسود له كتلتها نفسها، لصارت المجموعة الشمسية مظلمة باردة، لكن الكواكب ستبقى في مداراتها كما هي، ولن تسقط فيه، فالأرض تدور حول الشمس بسبب كتلتها، والكتلة لم تتغير.

ماذا ترى بعينك؟

لا يمكن رؤية أي ثقب أسود بالعين، لكنك تستطيع أن تنظر نحو مكان أشهرها. ففي أمسيات الصيف، انظر نحو الجنوب إلى كوكبة الرامي، حيث يبدو درب التبانة في أكثف أجزائه، ومنها سحابة القوس النجمية. في هذا الاتجاه، خلف سحب الغبار والنجوم، يقع قلب مجرتنا وثقبها الأسود العملاق.

أسئلة قريبة

هل يمكن أن يبتلع ثقب أسود الأرض؟

لا، فأقرب ثقب أسود نعرفه يبعد نحو 1,560 سنة ضوئية، وجاذبيته من هذا البعد لا تؤثر فينا أبداً، ولا يوجد ثقب أسود يتجه نحو المجموعة الشمسية.

هل ستصير الشمس ثقباً أسود؟

لا، فالشمس أخف بكثير من أن تنهار إلى ثقب أسود، وستنتهي بعد مليارات السنين قزماً أبيض.

كيف نعرف أن الثقب الأسود موجود وهو لا يُصدر ضوءاً؟

نرى أثره فيما حوله: حركة النجوم التي تدور حوله، والغاز الساخن المتوهج قبل أن يسقط فيه، كما رصدنا منذ 2015 موجات الجاذبية الصادرة عن اندماج ثقبين أسودين.

هل يمكن أن يخرج شيء من الثقب الأسود؟

لا يخرج شيء عبر أفق الحدث، لا مادة ولا ضوء. لكن الحسابات النظرية تتنبأ بأن الثقب الأسود يفقد طاقته ببطء شديد بعمليات كمية عند حافة أفقه، وأن الثقوب الصغيرة جداً قد تتبخر بهذه الطريقة، ولم يُرصد هذا بعد.

المصادر

  1. NASA: ما الثقوب السوداء؟
  2. NASA Science: الثقوب السوداء
  3. ESO: أول صورة للثقب الأسود في مركز مجرتنا (2022)
  4. W. M. Keck Observatory: اكتشاف أقرب ثقب أسود معروف إلى الأرض (2022)
  5. LIGO Caltech: رصد ثقب أسود متوسط الكتلة من اندماج GW190521 (2020)
  6. NASA Science: أنواع الثقوب السوداء

كيف نجمع المعلومات ونتحقق منها

إشراف وتحرير: إسلام أحمد