الرصد والفضاء

ما الفجر الكاذب والضوء البروجي؟

الجواب باختصار

الضوء البروجي توهج أبيض خافت على شكل مخروط مائل، يصنعه ضوء الشمس حين ينعكس عن غبار دقيق يدور حولها بين الكواكب، ويُرى من الأماكن المظلمة جداً غرباً بعد الشفق في الربيع، وشرقاً قبل الفجر في الخريف. يرى الفلكيون المعاصرون أنه هو ما يسمى في التراث «الفجر الكاذب».

الضوء البروجي عمود خافت من الضوء يرتفع في سماء الليل وفي أعلاه عنقود الثريا
الضوء البروجي يرتفع عمودًا مائلًا خافتًا في سماء وادي سكل في ولاية يوتا الأمريكية في 1 مارس 2021، ويظهر عنقود الثريا قرب أعلاه وكوكب المريخ تحته بقليل. الصورة: NASA/JPL-Caltech

غبار يلمع بضوء الشمس

المجموعة الشمسية ليست فارغة بين الكواكب، ففيها سحابة واسعة من حبات غبار دقيقة جداً تدور حول الشمس، وحين يسقط ضوء الشمس على هذا الغبار، ينعكس جزء منه نحونا، فنرى توهجاً أبيض خافتاً في السماء. هذا التوهج هو الضوء البروجي.

يعرّفه معجم مكتب تعليم الفلك التابع للاتحاد الفلكي الدولي بأنه توهج خافت سببه ضوء الشمس المنعكس عن الغبار بين الكواكب، المتجمع قرب دائرة البروج. دائرة البروج هي الطريق الذي تسير عليه الشمس في السماء خلال السنة، وتمر به الكواكب والقمر تقريباً. من هنا جاء اسمه: الضوء «البروجي»، لأنه يمتد على طول البروج.

من أين جاء هذا الغبار؟

ظن الفلكيون طويلاً أن هذا الغبار يأتي من المذنبات ومن اصطدامات الكويكبات، لكن في سنة 2021 نشر فريق من مسبار جونو (Juno) التابع لناسا نتيجة مفاجئة. فقد التقطت كاميرات الملاحة في المسبار، بالصدفة، آلاف الصور لشظايا دقيقة تطايرت من ألواحه الشمسية حين اصطدمت بها حبات الغبار، في أثناء رحلته إلى المشتري. وجد الفريق أن توزيع الغبار يتفق مع مدار المريخ، فرجّح أن المريخ مصدر مهم له.

لكن الباحثين أنفسهم قالوا إنهم لا يعرفون بعدُ كيف يفلت الغبار من جاذبية المريخ، فالمسألة ما زالت قيد البحث، والأرجح أن للغبار أكثر من مصدر.

متى يُرى؟

الضوء البروجي خافت جداً، فلا يظهر إلا في ظلام تام، بعد انتهاء الشفق المسائي أو قبل بدء الشفق الصباحي. يبدو مخروطاً أو مثلثاً من الضوء، قاعدته عريضة عند الأفق، ورأسه يضيق كلما ارتفع، ويميل على امتداد دائرة البروج.

يتوقف وضوحه على زاوية دائرة البروج مع الأفق، فحين تقف دائرة البروج شبه عمودية، يرتفع المخروط عالياً فوق الأفق، بعيداً عن الضباب والغبار المنخفض، فيسهل رؤيته. في النصف الشمالي من الأرض، حيث تقع أغلب البلاد العربية، يحدث ذلك في موسمين:

الموسم الوقت الجهة
الربيع، حول الاعتدال في مارس بعد انتهاء شفق المساء الأفق الغربي
الخريف، في سبتمبر وأكتوبر قبل بدء شفق الصباح الأفق الشرقي

تقول ناسا إن الضوء البروجي في نصف الأرض الشمالي أوضح بعد الغروب في الربيع، وإنه أسهل رؤية قبيل الشروق في سبتمبر وأكتوبر. كلما اقتربت من خط الاستواء، كما في جنوب الجزيرة العربية والسودان، صارت دائرة البروج أقرب إلى العمودي في شهور أكثر من السنة، فيطول موسم رؤيته.

الفجر الكاذب والفجر الصادق

يفرّق التراث العربي بين فجرين، الأول الفجر الكاذب: ضوء أبيض مستطيل يظهر في الشرق قبل الفجر، ويمتد صعوداً نحو السماء ولا ينتشر على الأفق، ويُشبَّه في التراث بذنب السِّرحان، أي الذئب. الثاني الفجر الصادق: ضوء يبدأ من الأفق الشرقي ثم ينتشر يميناً ويساراً على امتداده، ويزداد حتى تشرق الشمس.

من جهة الفلك، يتفق وصف الفجر الصادق مع ضوء الشفق الصباحي، أي ضوء الشمس الذي يتشتت في الغلاف الجوي للأرض وهي ما زالت تحت الأفق. أما الفجر الكاذب فيرى الفلكيون المعاصرون أنه هو الضوء البروجي، أي ضوء غبار بعيد خارج الغلاف الجوي، وهذا يفسّر شكله المائل المستطيل، ويفسّر لماذا يختفي ضوؤه بعد ذلك في ضوء الفجر الصادق.

تذكر دراسة منشورة سنة 2006 في مجلة History of Science، عن نظريات الفجر الكاذب في الفلك في العصر الإسلامي، أن أغلب الفلكيين القدماء ظنوا أنه ضوء الشمس منعكساً في الغلاف الجوي، مثل الفجر الصادق. وأن بعضهم لاحظ من الرصد أن ذلك لا يمكن أن يكون صحيحاً، لكنهم لم يقدموا تفسيراً بديلاً، أما التفسير بالغبار بين الكواكب فجاء مع الفلك الحديث.

هنا تنبيه مهم: هذا شرح فلكي للظاهرة فقط، أما تحديد وقت صلاة الفجر، ومتى يبدأ الإمساك في الصيام، فتتولاه الجهات الرسمية المختصة في كل بلد بحسب التقاويم المعتمدة لديها، وهي المرجع في ذلك.

كيف تراه بنفسك؟

  • اختر موقعاً مظلماً جداً بعيداً عن أضواء المدن، كما في صفحة السماء المظلمة، فالضوء البروجي من أول ما يختفي بسبب التلوث الضوئي.
  • اختر ليلة بلا قمر، لأن ضوء القمر يغمره.
  • في أمسيات مارس وأبريل انظر غرباً بعد انتهاء الشفق، أي بعد نحو ساعة ونصف من الغروب تقريباً، وابحث عن مخروط أبيض مائل قد يمتد نحو الثريا وكوكبة الثور.
  • في صباحات سبتمبر وأكتوبر انظر شرقاً قبل بدء ضوء الفجر بقليل.

قد يبدو لك أول الأمر كأنه ضوء مدينة بعيدة، لكن إن لم تكن في تلك الجهة مدينة، وكان التوهج مائلاً على طريق الكواكب في السماء، فأنت ترى غباراً يدور حول الشمس. يختلف شكله عن درب التبانة، فهذا يعبر السماء في اتجاه آخر.

أسئلة قريبة

هل الضوء البروجي هو درب التبانة؟

لا، فدرب التبانة شريط من ضوء مليارات النجوم البعيدة في مجرتنا، أما الضوء البروجي فغبار قريب داخل المجموعة الشمسية يعكس ضوء الشمس، ويمتد على طريق الشمس في السماء لا على طريق المجرة.

لماذا لا أرى الضوء البروجي من المدينة؟

لأنه خافت جداً، وإضاءة المدن تغمره تماماً، فتحتاج إلى سماء مظلمة بعيدة عن الأضواء وليلة بلا قمر، وأفق مكشوف غرباً أو شرقاً.

هل يحدد الفلك وقت صلاة الفجر؟

الفلك يصف موقع الشمس تحت الأفق وتغيّر ضوء السماء، أما وقت الصلاة المعتمد فتحدده الجهات الرسمية في كل بلد، وهي المرجع فيه.

المصادر

  1. معجم مكتب تعليم الفلك التابع للاتحاد الفلكي الدولي (IAU OAE): الضوء البروجي
  2. NASA JPL: مسبار جونو يغيّر فهمنا لأصل الضوء البروجي (2021)
  3. NASA APOD: الضوء البروجي ودرب التبانة، أمسيات الربيع (2010)
  4. NASA APOD: الضوء البروجي قبل الشروق في سبتمبر وأكتوبر
  5. مجلة History of Science، جامعة طهران (2006): نظريات الفجر الكاذب في الفلك في العصر الإسلامي

كيف نجمع المعلومات ونتحقق منها

إشراف وتحرير: إسلام أحمد