المجرات والكون

كيف يرى العلماء الثقب الأسود إذا كان لا يصدر ضوءاً؟

الجواب باختصار

لا يرى العلماء الثقب الأسود نفسه، بل يرون أثره فيما حوله. فهم يتتبعون نجوماً تدور حول جسم خفي بسرعات هائلة، ويصوّرون الغاز المتوهج حوله فيظهر ظله دائرة مظلمة وسط حلقة مضيئة، ويلتقطون موجات الجاذبية التي تصدر حين يندمج ثقبان. بهذه الطرق صُوّر ظل ثقبين أسودين حتى الآن.

الخفي يُعرف من أثره

الثقب الأسود لا يصدر ضوءاً، ولا يعكسه، فلا يمكن رؤيته مباشرة، لكن جاذبيته الهائلة تؤثر في كل ما حوله، كما تعرف أن الريح تهب حين ترى أوراق الشجر تتحرك وإن لم ترَ الريح نفسها. يستعمل الفلكيون ثلاث طرق رئيسية لرصد هذا الأثر.

الطريقة ماذا يُرصد؟ أشهر مثال
حركة النجوم نجوم تدور بسرعات هائلة حول نقطة خالية النجم S2 حول مركز مجرتنا
تصوير الظل غاز متوهج حول الثقب يرسم دائرة مظلمة صورتا M87 والقوس A*
موجات الجاذبية اهتزاز في نسيج المكان من اندماج ثقبين حدث سبتمبر 2015

الطريقة الأولى: نجوم تدور حول لا شيء

منذ أوائل التسعينيات يتتبع فريقان من الفلكيين نجوماً قريبة جداً من مركز مجرتنا، في منطقة تسمى القوس A*. رأى الفريقان أن هذه النجوم تدور بسرعة مذهلة حول نقطة لا يظهر فيها شيء، وحسبا من حركتها أن في تلك النقطة نحو 4 ملايين مرة كتلة الشمس، محشورة في حيز لا يزيد على حجم مجموعتنا الشمسية. لا يوجد تفسير معروف لذلك غير ثقب أسود عملاق، لهذا نال قائدا الفريقين، راينهارد جينزل وأندريا غيز، جائزة نوبل في الفيزياء سنة 2020.

أشهر هذه النجوم نجم يسمى S2، يدور حول الثقب مرة كل 16 سنة. في مايو 2018 مرّ على بعد أقل من 20 مليار كيلومتر من الثقب، أي نحو 120 مرة المسافة بين الأرض والشمس، وكانت سرعته أكثر من 25 مليون كيلومتر في الساعة، أي قرابة 3% من سرعة الضوء. رأى الفلكيون ضوءه يتمدد إلى موجات أطول تحت تأثير الجاذبية الشديدة، كما تتنبأ النسبية العامة تماماً.

الطريقة نفسها تكشف الثقوب الصغيرة أيضاً، فحين يدور نجم عادي حول رفيق لا يُرى، وتكون كتلة الرفيق أكبر من أن يكون نجماً خافتاً، يستنتج الفلكيون أنه ثقب أسود. هكذا اكتُشف أقرب ثقب أسود معروف إلينا.

الطريقة الثانية: تصوير الظل

حين يحيط بالثقب الأسود قرص من الغاز الساخن المتوهج، تنحني أشعة الضوء حوله، ويسقط بعضها في الثقب فلا يعود، فيظهر في الصورة ظل مظلم وسط حلقة مضيئة. هذا الظل أكبر قليلاً من الثقب نفسه، لكنه أقرب ما يمكن رؤيته منه.

لكن الثقوب السوداء صغيرة جداً في سمائنا لبعدها الهائل، فلا يكفي لتصويرها أي تلسكوب واحد. لذلك ربط العلماء ثمانية مراصد راديوية في هاواي والمكسيك وأريزونا وإسبانيا وصحراء أتاكاما في تشيلي والقطب الجنوبي، ووقّتوها معاً بدقة شديدة، فصارت تعمل كأنها تلسكوب واحد بحجم الأرض، يسمى «تلسكوب أفق الحدث». تبلغ دقة هذا التلسكوب حداً يكفي، كما يقول المرصد الأوروبي الجنوبي، لقراءة جريدة في نيويورك من مقهى في باريس.

في أبريل 2019 نُشرت أول صورة لثقب أسود، في قلب مجرة M87 في عنقود العذراء المجري، على بعد 55 مليون سنة ضوئية، وكتلته 6.5 مليار مرة كتلة الشمس. ثم نُشرت في مايو 2022 صورة ثقب مركز مجرتنا، على بعد نحو 27 ألف سنة ضوئية، ويبدو في سمائنا بحجم كعكة صغيرة موضوعة على سطح القمر. جاء حجم الحلقة في الصورتين موافقاً لما تتنبأ به نظرية أينشتاين.

الطريقة الثالثة: الإصغاء إلى اهتزاز المكان

حين يدور ثقبان أسودان أحدهما حول الآخر ثم يندمجان، يهتز نسيج المكان والزمان نفسه، وتنتشر منه تموجات تسمى موجات الجاذبية. في 14 سبتمبر 2015 التقط مرصدا ليغو في الولايات المتحدة هذه الموجات أول مرة، وكان مصدرها ثقبين كتلتاهما نحو 29 و36 مرة كتلة الشمس، اندمجا قبل 1.3 مليار سنة. تحول في هذا الاندماج ما يعادل نحو 3 مرات كتلة الشمس إلى موجات جاذبية في جزء من الثانية. منذ ذلك الحين رُصدت اندماجات كثيرة، فصارت هذه الموجات طريقة جديدة لـ«سماع» الثقوب السوداء بدل رؤيتها.

وماذا عن الأشعة السينية؟

حين يسحب ثقب أسود الغاز من نجم قريب، يدور هذا الغاز حوله بسرعة كبيرة ويسخن حتى يتوهج بالأشعة السينية قبل أن يسقط. لا تخترق هذه الأشعة غلاف الأرض الجوي، فتلتقطها تلسكوبات في الفضاء، وكانت من أوائل الأدلة على وجود الثقوب السوداء. أحياناً يقترب نجم كامل من ثقب عملاق فيتمزق، فيظهر وميض ساطع يرصده الفلكيون، كما في قصة السقوط في الثقب الأسود.

ماذا ترى بعينك؟

لا يرى أحد ثقباً أسود بعينه أو بتلسكوب صغير. لكن في ليالي الصيف المظلمة بعيداً عن أضواء المدن، انظر جنوباً نحو كوكبة القوس، فسترى درب التبانة أعرض وأكثف ما يكون، وخلف سحب النجوم والغبار هناك يقع الثقب الأسود العملاق في قلب مجرتنا.

أسئلة قريبة

هل صورة الثقب الأسود صورة حقيقية أم رسم؟

هي صورة حقيقية من رصد فعلي، لكنها التُقطت بموجات راديو طولها 1.3 مليمتر لا بالضوء المرئي، ثم حُوّلت إلى ألوان تراها العين، والألوان فيها ليست ألوان الثقب الحقيقية، لأن هذه الموجات لا لون لها.

لماذا تبدو صورة الثقب الأسود ضبابية؟

لأنها في أقصى حدود ما تستطيع التقنية الحالية تمييزه، فثقب مركز مجرتنا يبدو في سمائنا بحجم كعكة صغيرة موضوعة على سطح القمر، ولا يكفي لرؤيته إلا تلسكوب افتراضي بحجم الأرض.

هل يمكن رؤية ثقب أسود بتلسكوب هواة؟

لا، لكن يمكن رؤية المنطقة التي يقع فيها ثقب مركز مجرتنا، في اتجاه كوكبة القوس، حيث تبدو درب التبانة أكثف وألمع في ليالي الصيف المظلمة.

المصادر

  1. ESO: أول صورة لثقب أسود، في مجرة M87 (2019)
  2. ESO: أول صورة للثقب الأسود في مركز مجرتنا (2022)
  3. ESO: النجم S2 يمر قرب الثقب الأسود في مركز المجرة (2018)
  4. جائزة نوبل في الفيزياء 2020: بيان الإعلان
  5. Caltech: رصد موجات الجاذبية أول مرة (2016)

كيف نجمع المعلومات ونتحقق منها

إشراف وتحرير: إسلام أحمد