المجرات والكون

ماذا يحدث لو سقط إنسان في ثقب أسود؟

الجواب باختصار

يتوقف الجواب على حجم الثقب. الثقب الأسود الصغير يمزق الإنسان ويمطّه كالمعكرونة قبل أن يبلغ أفق الحدث، أما الثقب العملاق فيعبر الإنسان أفقه دون أن يشعر بشيء، ثم يتمزق بعد ثوانٍ وهو يندفع نحو المركز. أما من يراقبه من بعيد فلا يراه يعبر أبداً، بل يراه يبطؤ ثم يتجمد عند الحافة.

الجاذبية التي تمطّ الجسم

حين تقف على الأرض تجذب الأرض قدميك أقوى قليلاً من رأسك، لأن قدميك أقرب إلى مركزها، لكن الفرق ضئيل جداً فلا تشعر به. هذا الفرق نفسه هو الذي يسبب المد والجزر في البحار، لأن القمر يجذب جانب الأرض القريب منه أقوى من الجانب البعيد.

قرب الثقب الأسود يصير هذا الفرق هائلاً، فلو سقط إنسان بقدميه أولاً، لانجذبت قدماه أقوى بكثير من رأسه، فيُمطّ جسمه طولاً ويُعصر من الجانبين، كما تُسحب عجينة المعكرونة إلى خيط رفيع. يسمي الفلكيون هذا بالإنجليزية spaghettification، نسبة إلى السباغيتي، وتسمى القوة التي تسببه قوة المد.

ثقب صغير أم ثقب عملاق؟

قد يبدو غريباً أن السقوط في الثقب الصغير أخطر، لكن هذا ما تقوله الحسابات. فالثقب الأسود النجمي، الذي يتكون من انهيار نجم ضخم، تصل كتلته إلى نحو 30 مرة كتلة الشمس، وأفقه صغير، فيكون فرق الجاذبية حوله شديداً جداً، فيتمزق الجسم قبل أن يبلغ الأفق.

أما الثقب العملاق في قلب المجرات فأفقه واسع جداً، وفرق الجاذبية عند أفقه أضعف، فيعبره الجسم سالماً، ولا يتمزق إلا بعد ذلك وهو يقترب من المركز. لهذا قال الفلكي جيريمي شنيتمان من ناسا: «لو كان لك الخيار، فاختر السقوط في ثقب أسود فائق الكتلة».

ثقب أسود نجمي ثقب أسود فائق الكتلة
الكتلة حتى نحو 30 مرة كتلة الشمس ملايين إلى مليارات المرات كتلة الشمس
حجم الأفق صغير ضخم
متى يتمزق الإنسان؟ قبل أن يبلغ الأفق بعد أن يعبر الأفق

رحلة في محاكاة ناسا

في سنة 2024 نشرت ناسا محاكاة صنعها شنيتمان بحاسوب فائق، تتبع آلة تصوير تسقط في ثقب أسود كتلته 4.3 مليون مرة كتلة الشمس، أي مثل الثقب الأسود في مركز مجرتنا. يمتد أفق هذا الثقب نحو 25 مليون كيلومتر، أي نحو 17% من المسافة بين الأرض والشمس.

تبدأ الرحلة على بعد نحو 640 مليون كيلومتر، ثم تحتاج الآلة إلى نحو 3 ساعات من وقتها هي حتى تبلغ الأفق، وتدور في الطريق دورتين تقريباً حول الثقب، مدة كل منهما نحو 30 دقيقة. كلما اقتربت انحنى ضوء القرص الغازي المتوهج حول الثقب وضوء النجوم خلفه، حتى ترى الصورة نفسها أكثر من مرة.

بعد عبور الأفق يندفع كل شيء نحو المركز، وهو نقطة تسمى المتفردة، تتوقف عندها قوانين الفيزياء التي نعرفها. بحسب شنيتمان، يتمزق الجسم بعد 12.8 ثانية فقط من عبور الأفق، ويبقى بعدها نحو 128 ألف كيلومتر حتى المتفردة، يقطعها في طرفة عين.

ماذا يرى من يراقبك من بعيد؟

هنا تظهر غرابة النسبية العامة، فمن يبقى بعيداً عن الثقب لا يرى الساقط يعبر الأفق أبداً، بل يرى حركته تبطؤ شيئاً فشيئاً، ثم يراه كأنه تجمد قرب الحافة. لهذا سمى الفلكيون الثقوب السوداء في البداية «النجوم المتجمدة».

الزمن نفسه يمر أبطأ قرب الجاذبية الشديدة. ففي محاكاة ناسا الثانية تقترب الآلة من الأفق ولا تعبره، ثم تعود سالمة في رحلة مدتها 6 ساعات، ولو كان فيها رائد فضاء لعاد أصغر من زملائه الذين بقوا بعيداً بنحو 36 دقيقة. هذه الفكرة هي التي بنى عليها فيلم Interstellar أحد أشهر مشاهده.

هل رأى الفلكيون ذلك فعلاً؟

لم يسقط إنسان في ثقب أسود، لكن الفلكيين رأوا نجوماً كاملة تتمزق بهذه الطريقة. ففي سنة 2019 رصدت تلسكوبات المرصد الأوروبي الجنوبي وغيرها وميضاً سُمي AT2019qiz، في مجرة حلزونية في كوكبة النهر على بعد يزيد قليلاً على 215 مليون سنة ضوئية. كان مصدره نجماً كتلته قريبة من كتلة الشمس، اقترب من ثقب أسود تزيد كتلته على مليون مرة كتلة الشمس، فمُطّ إلى خيوط رفيعة، ثم ابتلع الثقب نحو نصفه، وقذف بعض المادة الباقية بسرعة تصل إلى 10 آلاف كيلومتر في الثانية.

هل علينا خطر؟

لا، فأقرب ثقب أسود نعرفه يبعد نحو 1,560 سنة ضوئية، ولا يقترب أي ثقب أسود من المجموعة الشمسية. الثقب العملاق في مركز مجرتنا يبعد نحو 27 ألف سنة ضوئية، ولا يمكن رؤيته بالعين، لكن يمكنك أن تنظر في صيف كل عام نحو كوكبة القوس جنوباً بعد المغرب، فهناك يقع قلب المجرة خلف سحب النجوم والغبار.

أسئلة قريبة

هل يشعر الإنسان بشيء حين يعبر أفق الحدث؟

في ثقب أسود عملاق لا يشعر بشيء خاص عند الأفق نفسه، لأن الفرق في الجاذبية بين رأسه وقدميه ما زال صغيراً هناك. الخطر يأتي بعد ذلك، حين يقترب من المركز فيزداد هذا الفرق حتى يمزقه.

هل يمكن الخروج من الثقب الأسود بعد عبور أفقه؟

لا، فداخل أفق الحدث يتجه كل طريق نحو المركز، لأن المكان نفسه يتدفق إلى الداخل بسرعة الضوء عند الأفق، ولا شيء يسير أسرع من الضوء.

هل يوجد ثقب أسود قريب يمكن أن نسقط فيه؟

لا، فأقرب ثقب أسود معروف يبعد نحو 1,560 سنة ضوئية، ومسبار فوياجر 1 بسرعته الحالية يحتاج إلى أكثر من 25 مليون سنة ليبلغه.

المصادر

  1. NASA Science: محاكاة السقوط في ثقب أسود فائق الكتلة (2024)
  2. ESO: رصد نجم يتمزق ويتمدد قرب ثقب أسود عملاق (AT2019qiz، 2020)
  3. NASA Science: الثقوب السوداء

كيف نجمع المعلومات ونتحقق منها

إشراف وتحرير: إسلام أحمد