خرافات وحقائق

ما الفرق بين علم الفلك والتنجيم؟ وهل تؤثر الأبراج على الإنسان؟

الجواب باختصار

علم الفلك علم يقيس أجرام السماء ويفسر حركتها بالتجربة والحساب. أما التنجيم فاعتقاد بأن مواقع الكواكب يوم ميلادك تحدد شخصيتك ومستقبلك. وقد اختُبر التنجيم بتجارب محكمة، أشهرها تجربة كارلسون المنشورة في مجلة Nature سنة 1985، فلم تكن نتائج المنجمين أفضل من التخمين.

علم واحد في البداية

قبل آلاف السنين كان الفلك والتنجيم شيئاً واحداً، فالبابليون رصدوا أن الشمس تبدو كأنها تمر خلال السنة أمام 12 مجموعة من النجوم، وجعلوا لكل مجموعة معنى ونصيباً في حياة الناس. بقي العِلمان مختلطين مئات السنين: الراصد نفسه يحسب مواقع الكواكب، ثم يستخرج منها «أحكاماً» عن الحروب والمواليد.

ثم بدأ الطريقان يفترقان مع تطور المنهج العلمي في عصر النهضة وما بعده، فقد فسّر كبلر وغاليليو ونيوتن حركة الكواكب بقوانين يمكن قياسها، واتضح أن الكواكب البعيدة لا أثر مباشراً لها في حوادث الأرض. منذ ذلك الحين صار علم الفلك علماً يقوم على الرصد والقياس، بينما بقي التنجيم اعتقاداً لا يقوم على دليل تجريبي.

ابن سينا يفصل بين «علم الهيئة» و«أحكام النجوم»

سمّى العلماء العرب والمسلمون علم الفلك الرياضي «علم الهيئة»، وسمّوا التنجيم «علم أحكام النجوم». من أشهر من فرّق بينهما ابن سينا (توفي سنة 1037م)، فقد كتب رسالة في نقد التنجيم والرد على المنجمين، ورد اسمها بصيغتين متقاربتين، منها «رسالة في إبطال أحكام النجوم». تذكر الباحثة سالي رجب في موسوعة سِيَر الفلكيين أن ابن سينا فصل الفلك الرياضي الدقيق عن التنجيم، ولم يعدّ التنجيم جزءاً منه.

كيف اختُبر التنجيم؟ تجربة كارلسون

أشهر اختبار للتنجيم أجراه الفيزيائي شون كارلسون في مختبر لورنس بيركلي التابع لجامعة كاليفورنيا، ونُشر في مجلة Nature العلمية في ديسمبر 1985. شارك فيه منجمون محترفون، وحددوا مسبقاً النتيجة التي يتوقعونها.

كانت الفكرة بسيطة: أجاب المشاركون عن اختبار شخصية معروف، ثم أُعطي المنجم خريطة ميلاد شخص واحد، ومعها ثلاثة تقارير شخصية: تقريره الحقيقي واثنان لشخصين آخرين. كان على المنجم أن يختار التقرير الصحيح، والتجربة «مزدوجة التعمية»، أي أن أحداً من الطرفين لا يعرف الجواب الصحيح أثناء الاختبار.

  • لو كان الاختيار عشوائياً لأصاب المنجم مرة من كل 3 مرات، أي بنسبة 33%.
  • توقع المنجمون أنفسهم أن يصيبوا في نصف المرات على الأقل.
  • النتيجة: أصابوا في 40 حالة من 116، أي بنسبة 34% تقريباً، وهي نسبة التخمين نفسها.

خلص كارلسون إلى أن التجربة تنفي الفرضية التنجيمية بوضوح، لهذا يصف العلماء التنجيم بأنه يفتقر إلى أي دعم تجريبي، مهما كان انتشاره بين الناس.

البرج غير الكوكبة

في العربية نستعمل كلمة «برج» للمعنيين، ومن هنا يأتي كثير من الخلط، فالبرج في التنجيم قسم حسابي من السنة. أما في علم الفلك فـالبروج كوكبات حقيقية تمر بها الشمس، والكوكبة رقعة من السماء لها حدود رسمية:

البرج في التنجيم الكوكبة في علم الفلك
ما هو؟ قسم من دائرة البروج طوله 30 درجة رقعة من السماء لها حدود رسمية
عددها 12 برجاً 88 كوكبة، تمر الشمس منها في 13
مدة مرور الشمس شهر تقريباً لكل برج من نحو 7 أيام (العقرب) إلى نحو 44 يوماً (العذراء)
تواريخها ثابتة منذ نحو ألفي سنة تتغير ببطء مع الزمن

دائرة البروج هي الطريق الذي تبدو الشمس سائرة عليه بين النجوم خلال السنة، وهي تمر فعلاً في 13 كوكبة، منها الحواء، وتقضي الشمس فيها نحو 18 يوماً، من آخر نوفمبر إلى نحو 18 ديسمبر. أما العقرب فلا تبقى فيه الشمس إلا نحو أسبوع.

لماذا لم تعد الأبراج في مكانها؟

محور الأرض يدور ببطء شديد كما يتمايل الخُذروف، أي لعبة الدوّامة، فيُتم دورة كاملة في نحو 25,800 سنة. تسمى هذه الحركة مبادرة الاعتدالين، ونتيجتها أن موقع الشمس بين النجوم في تاريخ معين يتأخر يوماً واحداً كل 70 سنة تقريباً.

منذ وُضعت تواريخ الأبراج قبل نحو ألفي سنة تراكم هذا التأخر حتى بلغ قرابة شهر كامل. فمن وُلد في أوائل أبريل يقول عنه التنجيم إنه من «برج الحمل»، لكن الشمس في يوم ميلاده كانت في الحقيقة أمام نجوم الحوت، لأنها لا تدخل كوكبة الحمل اليوم إلا في نحو 19 أبريل. أغلب المنجمين ما زالوا يستعملون التواريخ القديمة.

ماذا ترى بعينك؟

كوكبات البروج حقيقية وجميلة، وتستحق أن تتعرف عليها، فهي الشريط الذي يسير فيه القمر والكواكب دائماً. في أمسيات الصيف تستطيع أن ترى العقرب بقلبه الأحمر في جهة الجنوب، وفوقه كوكبة الحواء الكبيرة. إذا رأيت كوكباً لامعاً هناك، فاعلم أنه يسير على دائرة البروج نفسها التي تسير عليها الشمس.

أسئلة قريبة

هل الحواء برج ثالث عشر؟

الحواء كوكبة حقيقية تمر بها الشمس كل سنة نحو 18 يوماً، من آخر نوفمبر إلى نحو 18 ديسمبر، لكن التنجيم لا يعدّها برجاً، لأنه يعتمد تقسيماً قديماً إلى 12 قسماً متساوياً.

هل غيّرت ناسا الأبراج؟

لا، فناسا لم تضف برجاً ولم تغيّر شيئاً، وكل ما في الأمر أن الفلكيين يذكّرون بحقيقة معروفة منذ القدم، أي أن مواقع الشمس بين النجوم انزاحت عن التواريخ التي وضعها المنجمون قبل نحو ألفي سنة.

لماذا يشعر بعض الناس أن وصف برجهم ينطبق عليهم؟

لأن أوصاف الأبراج عامة جداً، مثل «تحب الصدق لكنك تنفعل أحياناً»، وهي تنطبق على أغلب الناس أياً كان برجهم، لهذا تُختبر الأبراج علمياً بإخفاء اسم البرج عن المشارك، كما في تجربة كارلسون.

المصادر

  1. Nature: Carlson, A double-blind test of astrology (1985)
  2. جامعة كاليفورنيا (eScholarship): النص الكامل لتجربة كارلسون وأرقامها
  3. The Planetary Society: الفرق بين علم الفلك والتنجيم
  4. Sky & Telescope: تحرك البروج وكوكبة الحواء
  5. جامعة ماكجيل: ابن سينا في موسوعة سِيَر الفلكيين (Springer 2007)

كيف نجمع المعلومات ونتحقق منها

إشراف وتحرير: إسلام أحمد