الشمس والقمر والكواكب
كيف تكوّن القمر؟ وما الفوهات والبقع الداكنة على سطحه؟
الجواب باختصار
أقوى تفسير اليوم أن جرماً بحجم المريخ تقريباً، يسميه العلماء «ثيا»، اصطدم بالأرض قبل نحو 4.5 مليار سنة، فتجمّع الركام المتطاير وصار القمر. البقع الداكنة على وجهه «بحار» بلا ماء، وهي سهول من صخر البازلت البركاني. أما الفوهات فحفر صنعتها اصطدامات الكويكبات والنيازك، وبقيت لأن القمر بلا هواء ولا ماء يمحوها.

الاصطدام العملاق
قبل نحو 4.5 مليار سنة، كانت المجموعة الشمسية في بدايتها، والكواكب ما زالت تتكوّن من الغبار والصخور التي تدور حول الشمس، كما في سؤال كيف تكونت المجموعة الشمسية؟. في تلك الفترة المضطربة، يرجّح العلماء أن جرماً في حجم المريخ تقريباً اصطدم بالأرض الفتية، ويسمي العلماء هذا الجرم «ثيا» (Theia).
كان الاصطدام هائلاً، فتطاير منه ركام كثير من الأرض ومن ثيا معاً، ودار حول الأرض، ثم تجمّع هذا الركام بجاذبيته شيئاً فشيئاً حتى صار القمر. تدل صخور القمر على أنه تكوّن بعد نحو 60 مليون سنة من بداية تكوّن المجموعة الشمسية.
ما الدليل على ذلك؟
جاء أغلب الدليل من الصخور التي أعادها رواد أبولو إلى الأرض، كما في سؤال هل وصل الإنسان إلى القمر فعلاً؟:
- القمر كان منصهراً: تدل الصخور على أن سطح القمر كان في أول عهده «محيطاً» من الصخر الذائب، ولا يحدث هذا إلا بطاقة هائلة، مثل طاقة اصطدام عملاق.
- صخور القمر تشبه صخور الأرض: نسب أنواع الأكسجين وعناصر أخرى في صخور القمر قريبة جداً من نسبها في صخور الأرض، وهذا يصعب أن يكون مصادفة.
لذلك تراجعت فرضيات قديمة، مثل أن الأرض «أسرت» القمر بجاذبيتها وهو جرم غريب عنها، أو أنهما تكوّنا معاً جنباً إلى جنب.
لكن الصورة لم تكتمل بعد، فالعلماء ما زالوا يختلفون في التفاصيل: هل كان المصطدم جرماً واحداً أم سلسلة من الأجرام؟ وما حجمه بالضبط؟ ولماذا يختلف وجه القمر القريب عن وجهه البعيد؟ فهذه أرجح فرضية اليوم، لا حقيقة مقطوعاً بها، وينتظر العلماء أن تساعد مهمات أرتميس القادمة في الإجابة.
البقع الداكنة: «بحار» بلا ماء
انظر إلى البدر بعينك، فسترى فيه مناطق فاتحة وأخرى داكنة. يسمي الفلكيون البقع الداكنة «البحار» (Maria)، وهي كلمة لاتينية معناها البحار، لأنها بدت للفلكيين الأوائل مثل البحار، لكنها في الحقيقة لا ماء فيها.
البحار سهول واسعة من صخر البازلت، وهو صخر بركاني داكن مثل الذي يتكون من حمم البراكين على الأرض. قصتها أن اصطدامات كبيرة حفرت في القمر أحواضاً واسعة، ثم صعدت الحمم من باطنه بعد ذلك بزمن طويل، فملأت هذه الأحواض وبردت وصارت سهولاً ملساء داكنة. هي لا تعكس إلا نحو 7% إلى 10% من الضوء، لذلك تبدو أغمق من بقية السطح.
| المعلومة | البحار (المناطق الداكنة) | المرتفعات (المناطق الفاتحة) |
|---|---|---|
| ما هي؟ | سهول من حمم بازلتية متجمدة | قشرة القمر الأصلية القديمة |
| كم تغطي؟ | أكثر من 15% من سطح القمر | أغلب السطح الباقي |
| أين تكثر؟ | في الوجه القريب منا | في الوجه البعيد، وحول البحار |
| الفوهات فيها | قليلة نسبياً، لأنها أحدث | كثيرة جداً، لأنها أقدم |
أغلب البحار في الوجه الذي يقابلنا. أما الوجه البعيد فقشرته أسمك وأعلى، فصعب على الحمم أن تصل إلى سطحه، ولذلك قلّت بحاره. تجد سبب رؤيتنا وجهاً واحداً في سؤال لماذا نرى وجهاً واحداً فقط من القمر؟.
الفوهات: آثار اصطدامات قديمة
سطح القمر مليء بالحفر المستديرة، ويسميها الفلكيون الفوهات. كل فوهة أثر لكويكب أو نيزك أو مذنب ضرب القمر بسرعة هائلة، فسحق الصخر وبخّره، وحفر حفرة أكبر منه بكثير، ونثر ركامه حولها. من هذا الركام الخطوط الفاتحة التي تراها تخرج من بعض الفوهات مثل الأشعة.
لماذا يحتفظ القمر بفوهاته والأرض لا؟ لأن القمر بلا هواء ولا ماء جارٍ ولا رياح، فلا شيء يمحو الحفر، فتبقى مليارات السنين. أما الأرض فتصيبها الاصطدامات أيضاً، لكن الرياح والمطر وحركة قشرتها تمحو أغلب الآثار، كما في سؤال هل يمكن أن يصطدم كويكب بالأرض؟.
من أشهر فوهات القمر وأحواضه:
| الاسم | القطر | ملاحظة |
|---|---|---|
| حوض القطب الجنوبي-أيتكن | أكثر من 2,500 كم | أكبر حوض في القمر، عمره نحو 4 مليارات سنة، في الوجه البعيد |
| فوهة تيخو (Tycho) | نحو 85 كم | في جنوب الوجه القريب، تخرج منها أشعة فاتحة طويلة تُرى بالمنظار في البدر |
في القمر أكثر من 40 حوضاً اصطدامياً، أي فوهات يزيد قطرها على 300 كيلومتر.
صور يراها الناس في القمر
منذ القدم رأى الناس في بقع القمر الداكنة صوراً مألوفة، وروت كل ثقافة حكايتها عنها. ففي أوروبا رأوا وجه رجل، وفي الصين واليابان وكوريا رأوا أرنباً يدق بمدقة في هاون، ورأى آخرون امرأة تنظر جانباً وضفدعاً. هذه الحكايات جزء جميل من تراث البشر في النظر إلى السماء.
يسمي علماء النفس ميل الإنسان إلى رؤية وجوه وأشكال مألوفة في الأشياء «الباريدوليا» (Pareidolia)، وهو ميل طبيعي في الدماغ، أما العلم فيقول إن هذه الأشكال سهول بازلتية صنعتها الحمم. لأن القمر يقابلنا بوجه واحد، يرى الناس هذه الصور نفسها منذ آلاف السنين.
ماذا ترى الليلة؟
- البحار: تراها بعينك في أي ليلة يكون فيها القمر كبيراً، وأوضحها قرب البدر.
- الفوهات: لا تُرى بالعين، لكنها تظهر بوضوح بمنظار يدوي. أفضل وقت لها قرب التربيع الأول والأخير، حين تطول ظلال جدرانها على الخط الفاصل بين الضوء والظلام. تجد مواعيد الأطوار في درس القمر: أطواره ومكانه.
- أشعة تيخو: انظر بالمنظار إلى البدر، وابحث في الجزء الجنوبي منه عن نقطة فاتحة تخرج منها خطوط طويلة.
- معلومات القمر كلها في صفحة القمر.
أسئلة قريبة
هل في بحار القمر ماء؟
لا، إذ سماها الفلكيون الأوائل «بحاراً» لأنها بدت لهم من بعيد مثل البحار، لكنها سهول من صخر بركاني متجمد. أما الماء على القمر فقليل، أغلبه جليد في قاع حفر قرب قطبيه.
هل ما زالت النيازك تضرب القمر اليوم؟
نعم، لكن بأحجام صغيرة في الغالب، ولأن القمر بلا غلاف جوي، لا تحترق الصخور الصغيرة قبل أن تصل إلى سطحه كما يحدث في جو الأرض، فتصنع حفراً جديدة صغيرة باستمرار.
هل كان القمر جزءاً من الأرض؟
جزئياً، بحسب فرضية الاصطدام العملاق، فالركام الذي صنع القمر جاء من الأرض ومن الجرم الذي اصطدم بها معاً، ولذلك تتشابه صخور القمر وصخور الأرض في تركيبها تشابهاً كبيراً.
هل تحدث زلازل على القمر؟
نعم، وقد سجلتها أجهزة رصد الزلازل التي وضعها رواد أبولو. بعضها عميق تسببه جاذبية الأرض حين تشد باطن القمر، وبعضها سطحي يسببه تمدد الصخر وانكماشه بين نهار القمر الحار وليله البارد، أو انكماش القمر نفسه وهو يبرد.
هل القمر يبتعد عن الأرض؟
نعم، يبتعد القمر عن الأرض ببطء شديد، نحو بوصة واحدة، أي قرابة 2.5 سنتيمتر، كل سنة بحسب ناسا. هذا الفرق لا يُلاحظ في حياة الإنسان، لكنه يتراكم عبر ملايين السنين.