الشمس والقمر والكواكب

لماذا نرى وجهاً واحداً فقط من القمر؟

الجواب باختصار

لأن القمر يدور حول نفسه في 27.3 يوماً، وهي المدة نفسها التي يدور فيها حول الأرض، فيبقى وجهه نفسه متجهاً نحونا، ويسمى هذا «التقييد المدي». مع ذلك نرى على مدى الشهور نحو 59% من سطحه بسبب ترنح بسيط. أما الوجه البعيد فليس مظلماً، فهو يأخذ من ضوء الشمس مثل الوجه القريب.

يدور حول نفسه وحول الأرض في الوقت نفسه

يظن كثير من الناس أن القمر لا يدور حول نفسه، لأننا نرى الوجه نفسه منه كل ليلة. لكن الحقيقة عكس ذلك: القمر يدور حول نفسه مرة كل 27.3 يوماً، وهي المدة نفسها التي يكمل فيها دورة حول الأرض. لأن المدتين متساويتان، يبقى الوجه نفسه متجهاً نحونا دائماً.

جرّب ذلك بنفسك، فضع كرسياً في وسط الغرفة، ثم امشِ حوله دورة كاملة ووجهك إليه طوال الوقت. ستجد أنك حين أكملت الدورة حول الكرسي، استدرت أنت أيضاً حول نفسك دورة كاملة، ونظرت إلى جدران الغرفة الأربعة كلها، لكن الكرسي لم يرَ إلا وجهك. هذا ما يفعله القمر معنا تماماً.

يسمي الفلكيون هذا الدوران المتزامن، أو التقييد المدي (Tidal Locking).

كيف صار القمر مقيداً؟

لم يكن القمر هكذا في أول عهده، بل كان يدور حول نفسه أسرع. لكن جاذبية الأرض تشد القمر بقوة، فتمطه قليلاً حتى يصير شكله أشبه بكرة القدم الأمريكية البيضاوية، وما زال هذا الانتفاخ موجوداً إلى اليوم.

حين كان القمر يدور أسرع، كان دورانه يحمل انتفاخه دائماً متقدماً قليلاً على الاتجاه الذي تشده إليه الأرض. فكانت جاذبية الأرض تشد هذا الانتفاخ في كل لحظة لتعيده إلى خط واحد معها، وكان هذا الشد يعجن صخور القمر ويحوّل جزءاً من حركته إلى حرارة. فتباطأ دوران القمر شيئاً فشيئاً، حتى صارت مدة دورته حول نفسه مساوية لمدة دورته حول الأرض، فاستقر على هذه الحال.

هذا أمر شائع في المجموعة الشمسية، فكل الأقمار الكبيرة مقيدة بكواكبها بالطريقة نفسها، بحسب ناسا. حتى بلوتو وقمره شارون مقيدان كل منهما بالآخر، كما في صفحة بلوتو.

الترنح: نرى أكثر من نصف القمر

لو كان الأمر بهذه البساطة لرأينا 50% فقط من سطح القمر، لكننا نرى في الحقيقة نحو 59% منه على مدى الشهور، بسبب حركة تشبه تمايل السفينة فوق الموج. يسميها الفلكيون الترنح أو الميسان (Libration)، من الكلمة اللاتينية التي تعني الميزان.

نوع الترنح سببه ماذا نرى؟
ترنح شرقي غربي مدار القمر إهليلجي، فيسرع حين يقترب من الأرض ويبطئ حين يبتعد، أما دورانه حول نفسه فثابت نرى قليلاً من حافته الشرقية ثم من حافته الغربية
ترنح شمالي جنوبي محور القمر مائل نحو 6.7 درجة نرى قطبه الشمالي قليلاً ثم قطبه الجنوبي
ترنح يومي الأرض كبيرة وتدور، فننظر إلى القمر عند طلوعه وعند غروبه من موضعين مختلفين زيادة صغيرة جداً عند الحافتين

مجموع هذه الحركات يكشف لنا شريطاً ضيقاً حول حافة القمر، بعضه في شهر وبعضه في شهر آخر، بينما يبقى نحو 41% من سطح القمر لا يُرى من الأرض أبداً.

«الجانب المظلم» ليس مظلماً

يسمي بعض الناس الوجه البعيد للقمر «الجانب المظلم»، وهذه التسمية مضللة. فالوجه البعيد يأخذ من ضوء الشمس مثل الوجه القريب تماماً، ويمر بنهار وليل مثلما يمر الوجه القريب.

بل إن الوجه البعيد يكون مضاءً كله في وقت المحاق، حين يكون القمر بين الأرض والشمس، فلا نرى نحن منه شيئاً. أما في وقت البدر فيحدث العكس: يكون الوجه القريب مضاءً كله، والوجه البعيد في ليل كامل. فالأصح أن نقول «الوجه البعيد»، أي البعيد عنا، لا المظلم.

لم يرَ أحد من البشر هذا الوجه حتى 7 أكتوبر 1959، حين صورته المركبة السوفيتية لونا 3، وغطت صورها نحو 70% منه، ثم رآه رواد أبولو بأعينهم وهم يدورون حول القمر.

تجد المزيد عن دوران القمر وأطواره في صفحة القمر، وفي درس القمر: أطواره ومكانه.

ماذا ترى الليلة؟

  • انظر إلى القمر في أي ليلة، وحاول أن تتذكر البقع الداكنة فيه، فستجدها في الأماكن نفسها كل شهر. هذا دليل على أن الوجه نفسه يقابلنا دائماً. تجد سبب هذه البقع في سؤال كيف تكوّن القمر؟ وما الفوهات والبقع الداكنة على سطحه؟.
  • لترى الترنح: صوّر البدر بهاتفك مرتين بينهما بضعة أشهر، ثم قارن موضع البقعة الداكنة المستديرة قرب حافته اليمنى العليا، وهي «بحر الأزمات». ستجدها مرة أقرب إلى الحافة ومرة أبعد عنها، ويظهر ذلك أوضح بمنظار يدوي.

أسئلة قريبة

هل القمر يدور حول نفسه أصلاً؟

نعم، إذ يدور حول نفسه مرة كل 27.3 يوماً، ولو لم يكن يدور لرأينا وجوهه كلها تباعاً خلال الشهر، لأن جهته المقابلة لنا ستتغير مع حركته حول الأرض.

هل يرى سكان نصف الأرض الجنوبي وجهاً آخر للقمر؟

لا، إذ يرى الناس في كل مكان الوجه نفسه، لكنهم يرونه مقلوباً بعضهم بالنسبة إلى بعض، فمن يسافر إلى أستراليا يرى صورة القمر التي يعرفها منكوسة.

هل الأرض مقيدة بالقمر أيضاً؟

ليس بعد، فالمد الذي يسببه القمر يبطئ دوران الأرض ببطء شديد، لكن ناسا تقدّر أن الأرض تحتاج إلى نحو 50 مليار سنة لتصير مقيدة به، وهذا أطول من عمر الشمس المتبقي بكثير.

المصادر

  1. NASA: التقييد المدي (Tidal Locking)
  2. NASA: أكثر الأسئلة شيوعاً عن القمر
  3. NASA SVS: ترنح القمر (Moon Wobble)
  4. مرصد هونغ كونغ: ما ترنح القمر؟
  5. NASA NSSDCA: أول صورة للوجه البعيد من المركبة لونا 3 (1959)

كيف نجمع المعلومات ونتحقق منها

إشراف وتحرير: إسلام أحمد