المجرات والكون

ما نظرية الانفجار العظيم؟

الجواب باختصار

نظرية الانفجار العظيم هي التفسير العلمي لتاريخ الكون، وتقول إن الكون كان قبل نحو 13.8 مليار سنة شديد الحرارة والكثافة، ثم أخذ يتمدد ويبرد حتى صار كما نراه. تؤيدها ثلاثة أدلة رئيسية: تباعد المجرات، وإشعاع الخلفية الكونية، ونسب العناصر الخفيفة. لم يكن انفجاراً في مكان ما، بل تمدداً للفضاء نفسه.

الفكرة في سطرين

تقول النظرية إن الكون كان في الماضي البعيد حاراً جداً وكثيفاً جداً، ثم أخذ يتمدد ويبرد، ومع البرودة تكوّنت أول الأنوية ثم أول الذرات، ثم تجمعت المادة بالجاذبية فصنعت النجوم والمجرات. كل ذلك بدأ قبل نحو 13.8 مليار سنة، كما تجد في سؤال كم عمر الكون؟

ليس انفجاراً في مكان ما

كلمة «الانفجار» توحي بقنبلة تنفجر في مكان ما، فتتطاير شظاياها في فضاء فارغ حولها، لكن هذا ليس ما تقوله النظرية. فالانفجار العظيم لم يحدث في نقطة واحدة من الفضاء، بل هو تمدد الفضاء نفسه في كل مكان في آن واحد.

تخيّل عجيناً فيه حبات زبيب، ثم وضعته في الفرن فانتفخ، فكل حبة تبتعد عن جاراتها، ولو كنت على أي حبة لرأيت الحبات الأخرى كلها تبتعد عنك، فلا توجد حبة واحدة هي «المركز». هكذا المجرات: ليس للكون مركز تتباعد عنه.

الدليل الأول: المجرات تتباعد

في سنة 1929 لاحظ الفلكي الأمريكي إدوين هابل (Edwin Hubble) أن المجرات البعيدة تبتعد عنا عموماً، وأن الأبعد منها يبتعد أسرع. كان العالم البلجيكي جورج لوميتر (Georges Lemaître) قد استنتج قبل ذلك، سنة 1927، من معادلات النسبية العامة لأينشتاين أن الكون يتمدد، وهي الفكرة التي عُرفت لاحقاً باسم الانفجار العظيم.

النتيجة منطقية: إذا كانت المجرات تتباعد اليوم، فقد كانت في الماضي أقرب بعضها إلى بعض، ولو رجعنا بالزمن إلى الوراء كفاية، لوجدنا الكون كله مضغوطاً في حالة شديدة الكثافة والحرارة.

الدليل الثاني: إشعاع الخلفية الكونية

إذا كان الكون حاراً في بدايته، فلا بد أن تبقى من حرارته بقية. في سنة 1965 وجدها العالمان أرنو بنزياس وروبرت ويلسون (Penzias and Wilson) مصادفة، وهما يختبران هوائياً لاستقبال الموجات الميكروية، فقد التقطا إشارة خافتة تأتي من كل اتجاه في السماء بالقدر نفسه.

هذه الإشارة هي إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، أقدم ضوء في الكون، وانطلق حين كان عمر الكون نحو 380 ألف سنة، ثم برد مع تمدد الكون حتى صارت حرارته اليوم نحو 2.73 كلفن، أي نحو 270 درجة تحت الصفر المئوي. هو متساوٍ تقريباً في كل السماء، والفروق بين أجزائه نحو جزء واحد من مئة ألف فقط. وقد رسمت الأقمار الصناعية كوبي ثم WMAP ثم بلانك خرائط دقيقة لهذه الفروق، واستُخرج منها عمر الكون ومكوناته.

الدليل الثالث: الهيدروجين والهيليوم

تتنبأ النظرية بأن الكون في دقائقه الأولى كان حاراً بما يكفي لصنع أنوية العناصر الخفيفة. فبعد نحو ثلاث دقائق التحمت البروتونات والنيوترونات فصنعت الهيليوم وقليلاً من الديوتيريوم، وهو نوع ثقيل من الهيدروجين، ومقداراً ضئيلاً من الليثيوم. الحساب يتنبأ بأن يصير نحو 25% من كتلة المادة هيليوماً.

هذا ما نرصده فعلاً، فنسبة الهيليوم نحو الربع في الشمس، وفي سحب الغاز بين النجوم، وفي أقدم النجوم الفقيرة بالعناصر الثقيلة. مثل ذلك الديوتيريوم: فهو هش تحطمه النجوم ولا تصنعه، فلا يمكن أن يكون مصدره إلا الكون المبكر، وكميته المرصودة تتفق مع الحساب. تجد تركيب الشمس بالتفصيل في سؤال مم تتكون النجوم؟

الدليل ماذا تنبأت النظرية؟ ماذا رُصد؟
تباعد المجرات الكون يتمدد المجرات البعيدة تبتعد، والأبعد أسرع
إشعاع الخلفية بقية حرارة من الكون المبكر إشعاع خافت من كل السماء، حرارته نحو 2.73 كلفن
العناصر الخفيفة نحو ربع الكتلة هيليوم نحو ربع الكتلة هيليوم في الشمس والسحب والنجوم القديمة

ما الذي لا تقوله النظرية؟

النظرية تصف كيف تطور الكون من حالة حارة كثيفة إلى اليوم، وتفعل ذلك بدقة كبيرة، لكن لها حدوداً يقرّ بها العلماء أنفسهم:

  • لا تصف اللحظة الأولى نفسها. فبحسب مختبر CERN، لا تستطيع النظرية أن تصف الظروف في بداية الكون تماماً.
  • لا تقول ما الذي سبّب هذا التمدد. فهذا سؤال مفتوح ما زال الفيزيائيون يبحثون فيه، ولهم فيه فرضيات لم تثبت بعد.
  • لا تقول إن الكون خرج من نقطة في فضاء فارغ، كما سبق.
  • لا تفسر كل مكونات الكون بعدُ. فبحسب نتائج WMAP، نحو 25% من الكون مادة مظلمة لا تتكون من الذرات، ونحو 70% طاقة مظلمة، ولا يعرف أحد حقيقتهما بعد.

فالنظرية إذن تاريخ علمي للكون بعد بدايته، تؤيده أدلة كثيرة مستقلة، وما زال العلماء يصححون تفاصيله مع كل رصد جديد.

ماذا ترى بعينك؟

لا تستطيع أن ترى إشعاع الخلفية بعينك، لكنك تستطيع أن ترى مجرة أخرى، ففي أمسيات الخريف ابحث عن مجرة المرأة المسلسلة، لطخة باهتة في سماء مظلمة. من طرائف الكون أنها، على عكس المجرات البعيدة، تقترب منا لا تبتعد، لأن الجاذبية بين المجرات القريبة أقوى من أثر التمدد. تجد قصتها في سؤال هل ستصطدم مجرة المرأة المسلسلة بمجرتنا؟

أسئلة قريبة

أين وقع الانفجار العظيم؟ وأين مركز الكون؟

لم يقع في نقطة واحدة، بل في كل مكان في وقت واحد، لأن الفضاء كله كان يتمدد، لذلك ليس للتمدد مركز تبتعد عنه الأشياء.

هل سُمع صوت للانفجار العظيم؟

لا، فالاسم مجازي، فلم يكن انفجاراً بالمعنى المعروف، بل تمدداً للفضاء كله في كل مكان، ولم يكن هناك أحد يسمع.

ماذا كان قبل الانفجار العظيم؟

النظرية لا تجيب عن هذا السؤال، فهي تصف كيف تطور الكون بعد أن كان حاراً كثيفاً، ولا تستطيع أن تصف الظروف في بدايته تماماً. ما زال هذا سؤالاً مفتوحاً في الفيزياء.

المصادر

  1. NASA Goddard (جون ماذر): أسئلة شائعة في علم الكون
  2. NASA: نظرة عامة على مهمة WMAP
  3. ESA Planck: تاريخ علم الفلك بالموجات الميكروية
  4. جامعة كولومبيا البريطانية: نشأة العناصر الخفيفة
  5. CERN: الكون المبكر

كيف نجمع المعلومات ونتحقق منها

إشراف وتحرير: إسلام أحمد